المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القطيف وتاريخها القديم


amar
01-13-2006, 04:06 PM
القطيف

إذا نظرتَ مليّاً إلى خارطة شبه الجزيرة العربية الطبيعية، بدا لك لأول وهلة بقعة كبيرة من اللون الأحمر تتربع في وسطها، هي عبارة عن فراغ صحراوي رملي يقع في اتجاه الجنوب إلى الشرق، ويمتد لسانه إلى الشمال حيث يكوّن فواصل طبيعية بين إقليمي نجد والبحرين. وأما تلك المساحة فقد أطلقوا عليها اسم « الربع الخالي » التي يؤلف لسانها الضارب إلى الشمال كلاًّ من صحراء الدَّهناء والصمان، وهما عبارة عن نفوذ رملية تتخللها الهضبات والتلال، يقطعها المسافر في اتجاه نجد سابقاً في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فكان يدّخر الماء ويقتصد في استعماله، وكأنه بعمله هذا يغالب الطبيعة التي قَسَت على هذه البقعة فحَرَمتها من نعمة الحياة والأحياء.
تنحدر مرتفعات لسان هذا التِّيه من الربع الخالي، وتتلاشى هضباتها عند الشاطئ الزمرّدي حيث تغتسل رمالها الصفراء بمياه الخليج الخضراء الدافئة. وعلى طول هذا الساحل الأجرد الذي يمتد مسافة 350 ميلاً حتى حدود الكويت تستقر في زاوية منه واحةُ القطيف الخضراء على بعد 50 درجة من خطوط الطول، تستقبل المُصحِرَ المكدود الذي تصادى نداء الطبيعة في أذنيه قائلاً: إنّ تيه الصحراء وراءك، وغمر البحر أمامك، وقد أمدّتك العناية الإلهية بقطعة من الفردوس لتتفيأ ظلها الظليل، وتأكل من ثمرها الجني، وتشرب من ينابيعها الثرّة، لتشكر رباً أنزلها عليك من السماء. تلك الرقعة الخضراء الرابضة على الساحل الغربي من الخليج بنخيلها الباسق.. هي واحة القطيف، تحتضن المدينة التاريخية التي شهدت أمماً كثيرة، ووَعَت أحداثاً جمّة، وانبثقت على صعيدها حضاراتٌ شتى.


أسماؤها
القَطيف بفتح أوّله وكسر ثانيه « فَعيل » مشتقّ من القَطْف، وهو القَطْع من العنب ونحوه، كما يضبطها ياقوت الحموي في معجمه. ولعل اسمها في الأصل مُحرّف كيتوس Cateus الاسم القديم الذي ذكره مؤرخو اليونان لهذه المنطقة، والذي يشير بكل وضوح إلى اسمها الحالي.
ويطلق على هذه المنطقة(1) التي تمتد من البصرة إلى عُمان أسماء كثيرة، وتشمل هذه الأسماء كلاًّ من الأحساء وجزيرة الخَطّ لاشتراكهما معها في تاريخ سياسي واحد، وتختص الأحساء الآن باسم هَجَر، ويطلق اسم الخطّ على القطيف.
ويُرجِع بعضُهم اشتقاقَ كلمة « الخَطّ » إلى لفظة كتني Chateni، وهو اسم جماعة كانت تسكن هذه المنطقة في قديم الزمان(2)، وقد عُرفت أيضاً مدينة بهذا الاسم بناها أرْدَشِير بن بابك ( 226 ـ 241 م ) في هذه المنطقة واشتهرت به حتى بعد ظهور الإسلام. على أن كلمة الخطّ اسمٌ يشمل الساحل الشرقي من شبه الجزيرة العربية الذي يبتدئ من البصرة وينتهي إلى عُمان، فهو اسم يطلق على هذه المنطقة كلها تقريباً(3).
ويذكر الدكتور عبدالوهاب عزّام أن هذا الساحل كان يسمّى القطيف قبل أن يَغلِب عليه اسم الخَطّ. ويذكر صاحب التعريفات الشافية أن الخليج كان يسمّى بحر القطيف. أما شبرنكر فينصّ على أنه كان يسمّى خليج القطيف، قبل أن يعرف بأي اسم آخر(4). وعلى هذا التحديد يمكننا أن نقول بأن هذه البقاع الواقعة على الضفة الغربية من الخليج كانت كلها من مناطق هذه المدينة.


أحوالها الطبيعية
تلتقي على صعيد هذه المنطقة المظاهرُ الطبيعية الثلاثة: البحر والجبل والصحراء، فمِن الشرق والجنوب تكتنفها مياه الخليج، ومن الغرب والشمال تحتضنها رمال الصحراء بهضباتها الرملية، ومن الجنوب على مقربة من خليج قطر أو خليج جرّا ـ كما يسمّى قديماً ـ تنتثر قمم جبل الظهران على بعد 36 كم وعلى ارتفاع ما يقرب من 298 قدماً عن سطح البحر.
وتتكون صحاريها في الأغلب من تلال رملية صفراء، يبلغ ارتفاعها في بعض الأحيان عشرات الأمتار، وتتخذ أشكالها في الأكثر شكل حذاء الفرس. وهي غير ثابتة ولا مستقرة، إذ نراها تنتقل من محل إلى آخر متجهة نحو الجنوب بتأثير الرياح الشمالية العاتية، وأحياناً تزحف بالقرب من الواحة فتغطي مساحة كبيرة من بساتينها، حتّى لا يُرى منها إلا كرانيف النخل، ولكنها ما تلبث أن تنحسر في سنوات قليلة لتنتقل إلى جهات أُخرى ميمّمة شطر الجنوب. وإذا هطل الغيث اكتست سهولها بحُلَل خُضر، فتنتجعها البُداة لرعي إبلهم ومواشيهم، غير أنها سُرعانَ ما تجفّ حين تهبّ الرياح الموسمية الحارّة فتحيلها إلى قاعٍ صفصف.
أما جبل الظَّهران فهو يتكون من هضبات تتألف في الأغلب من صخور مُتفتّتة بتأثير العوامل الجيولوجية، الأمر الذي استُدل به على وجود البترول. وهناك هضبتان أُطلق على الأولى اسم جبل المذرى الشمالي والأُخرى جبل المذرى الجنوبي، وتوحي أشكالهما المخروطية المستديرة بأنهما من صنع الإنسان كما دلت عليه المكتشفات حديثاً، إذ وُجِد فيهما مقابر قديمة يرجع بناؤها إلى عهود سحيقة.
ويبلغ طول سواحلها التي تمتد من قطر إلى رأس مِشْعاب 350 ميلاً تقريباً. تتألف أغلب هذه السواحل من شواطئ رملية متعرّجة، وفيها ثلاثة أخوار صالحة للملاحة، ففي مبتدأ خط الشاطئ من الجنوب عند حدود قطر يقع خليج جرّا، وهو كبير تقع في مدخله جزائر البحرين، وفيه مرفأ عقير، وهو قليل العمق تكثر فيه الصخور والشعاب المرجانية. ثم يليه خليج كيبوس المحاذي لمدينة القطيف، والذي تقع فيه جزيرة تارُوت، وهو الذي تردّد ذكرُه في كتب المؤرخين اليونانيين، وهو غير صالح لرسوّ السفن الكبيرة. ثم بعده إلى الشمال يقع خليج المسلمية باقرب من الجبيل، وهو مسدود من جهة البحر تقريباً بجزيرة أبي علي، وفي وسطه تقع جزيرة جنة وعلى مقربة منها تقع جزيرة المسلمية، وفي الشمال أيضاً يقع خليج صغير بين منيفه ورأس التناقيب.
ويشذ عن امتداد الساحل رؤوس، لها أهمية تكثر أو تقل بالنسبة لموقعها.. أهمها رأس تَنّورة الواقع في الطرف الشمالي من خليج كيبوس، وهو ممتد في داخل البحر إلى مسافة تستطيع السفن التجارية الضخمة وناقلات البترول أن تقرب منه، ثم رأس السفانية ورأس مِشعاب، ثم رأس الزّور ويليه رأس القليعة عند حدود الكويت، وكلاهما يقعان في المنطقة المحايدة.


موقعها الجغرافي
تقع مدينة القطيف على الساحل الشرقي من شبه جزيرة العرب على بعد 50 ( درجة ) من خطوط الطول شرقاً، و 26 ( درجة ) و 32 ( دقيقة ) من خطوط العرض شمالاً. وكان يُطلق على هذه المدينة اسم الخَطّ أيضاً، وإليها نُسب الشاعر جعفر الخطّي، كما ورد تحديدها في شعر علي بن المقرب الأحسائي المتوفّى سنة 629 هـ:


والخطّ من صفواء حازوها فما أبقَوا بها شـبراً إلى الظَّهرانِ

وكانت مدينة القطيف القديمة تبعد عن الساحل مسافة ميل كما يذكر المسعودي، وقد ذكرها ياقوت في معجمه فوصفها بأنها مدينة بالبحرين.. هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها. ووصفها ابن بطوطة في رحلته.. بأنها مدينة حسنة ذات نخل كثير، وقد كانت عاصمة إقليم البحرين في أدوار مختلفة، ففي القرن الأول والثالث والتاسع الهجري كانت عاصمته وأزهى مدنه، وإليها كانت تُنسب الرماح الخطيّة الشهيرة، وقد تردّد اسمها كثيراً في الشعر العربي. قال عمر بن أسوي:


وتَرَكنَ عَنترةً يقـاتل بعدها أهلَ القطيفِ قتل خيل ينقعُ

وقال حمل بن المعنى العبدي:


نصحتُ لعـبد القيس يوم قطيفها ومـا خير نصـحٍ بعدُ لـم يُتقبَّلِ
فقد كان في أهل القطيف فوارس حمـاة إذا ما الحرب شدّت بيدبلِ


مناخها
تتراوح درجة الحرارة فيها ما بين 40 ( درجة ) إلى 110 ( درجات ) ف أي ما بين 5 إلى 44 سنتغراد تقريباً، وتبدأ الحرارة في الارتفاع ابتداءً من أبريل « نيسان » حتى تصل نهايتها في شهر يوليو واغسطس « تموز وآب »، وتهبط ابتداءً من سبتمبر « أيلول »، وموسم البرد فيها ما بين نوفمبر ومارس « تشرين الثاني ـ أذار ».
وترتفع أرضها على سطح البحر بضعة أقدام، ويتراوح الجَزْر والمدّ على سواحلها مرتين في اليوم، فإذا كان الجزر انحسر الماء عن شواطئها لمسافة بعيدة واستُعملت المواصلات البرية بينها وبين جزيرة تاروت. ويبلغ المدُّ مداه مرتين في الشهر في أوّله وفي منتصفه حتّى يحاذي أراضيها الساحلية، لذلك كان هواؤها في الغالب مشبعاً بالرطوبة.
أما إذا كان مجرى الهواء من الغرب أو الشمال فالطقس فيها يصبح جافاً، لوفوده من الصحراء. والغريب من أمر هذه المنطقة أن الحرارة ترتفع في فصل الشتاء بعض الأحيان بواسطة الرطوبة حتى إلى استعمال الملابس الصيفية، وذلك حين تكثر الرطوبة ويهب الهواء البحري، وهو ما اصطلحوا على تسميته « بالكوس ».

أبو فاطمة
01-14-2006, 01:30 AM
موضوع تاريخ جميل ....خصوصاً واننا نقراء تارخ محافظتنا العزيزة .... القطيف .....

أحسنت على الموضوع التاريخي ....
أتطلع للمزيد .....